أبي طالب المكي
93
علم القلوب
اللصوص ، ولولا حذاقة الملاح وفراهته لغرقنا ، ولولا فلان لم تقضى الحاجة ، ولولا نشر أحمال الزبل في هذه الأرض لم ينبت هذا الزرع ، فهذه الأنواع وما شاكلها هي من الشرك الخفي الذي يخالط قلوب أهل الإيمان . * * * الآية الرابعة قوله جل ذكره : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ هود : 1 ] قال أبو طالب المكي : أحكمت آياته بالتوحيد ، ثم فصلت بالوعيد للعاصين ، وبالوعد للمطيعين ، وليس في التوحيد تفصيل ، ولا في الإشارة عبارة ، ولا في القدرة ترتيب ، ولا في الإرادة شريك ، إن اللّه يفعل ما يريد ، ولكن لا بد من « 1 » التفصيل لبيان العلم ، فتوحيده لأهل القلوب والإيمان ، وتفصيله لذوي العقول واللسان ، ذلك لأن في القرآن محكما ومتشابها ، فمحكمه لموقنى الموحدين ، ومتشابهه لملحدى الزائغين . فمن التوحيد المحكم قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ النساء : 78 ] ، ومن المفصل قوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [ النساء : 79 ] ، ومن التوحيد [ المجرد ] قوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ فاطر : 8 ] ، ثم قال بالتفصيل : وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [ طه : 85 ] . وأيضا من التوحيد المشتبه [ قوله ] : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [ السجدة : 11 ] ، وقال أيضا في تجريد التوحيد : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ] [ إبراهيم : 27 ] ، ثم قال في تفصيله : فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا . . . [ الأنفال : 12 ] الآية . فأنصبة العارفين توحيده ، وأنصبة المنكرين متشابهه ، إذ فيه عموم وخصوص ، فعمومه لعامة الخلق ، وخصوصه لخاصة العباد ، وظاهره لأهل الظاهر من الأحكام والفحوى ، وباطنه لأهل الباطن من أولى السر والنجوى . وقال في مجرد التوحيد : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] ، وقال في تفصيله : فَمَنْ
--> ( 1 ) في الأصل : لا بد للتفصيل .